الجاحظ

17

الحيوان

الذي يمكنها فيه ما يريد ، فتقدمت الفاجرة وعرض له رجل فشغله ، وجاء إلى المنزل وقد قضى القوم حوائجهم وأخذت حاجتها ، فلم تنتظره . فلما أتاهم ولم يرها قال : أين هي ؟ قالوا : واللّه قد فرغنا وذهبت ! قال فأيّ طريق أخذت ؟ قالوا : لا واللّه ما ندري ؟ قال فإن عدوت في إثرها حتّى أقوم على مجامع الطرق أتروني ألحقها ؟ قالوا : لا واللّه ما تلحقها ! قال : فقد فاتت الآن ؟ قالوا : نعم . قال : فعسى أن يكون خيرا ! فلم أسمع قطّ بإنسان يشكّ أنّ السّلامة من الذنوب خير غيره . 36 - [ قول الممرور في الجزء الذي لا يتجزّأ ] وسأل بعض أصحابنا أبا لقمان الممرور عن الجزء الذي لا يتجزّأ : ما هو ؟ قال : الجزء الذي لا يتجزأ هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام . فقال له أبو العيناء محمد : أفليس في الأرض جزء لا يتجزأ غيره ؟ قال : بلى حمزة جزء لا يتجزأ ، وجعفر جزء لا يتجزأ ! قال فما تقول في العباس ؟ قال : جزء لا يتجزأ . قال : فما تقول في أبي بكر وعمر ؟ قال : أبو بكر يتجزأ ، وعمر يتجزأ . قال : فما تقول في عثمان ؟ قال : يتجزّأ مرّتين ، والزّبير يتجزّأ مرّتين . قال : فأيّ شيء تقول في معاوية ؟ قال : لا يتجزأ ولا لا يتجزأ . فقد فكرنا في تأويل أبي لقمان حين جعل الإمام جزءا لا يتجزأ إلى أيّ شيء ذهب ، فلم نقع عليه إلّا أن يكون كان أبو لقمان إذا سمع المتكلّمين يذكرون الجزء الذي لا يتجزّأ ، هاله ذلك وكبر في صدره ، وتوهّم أنّه الباب الأكبر من علم الفلسفة ، وأن الشيء إذا عظم خطره سموه بالجزء الذي لا يتجزأ . وقد تسخفّنا في هذه الأحاديث ، واستجزنا ذلك بما تقدّم من العذر ، وسنذكر قبل ذكرنا القول في الحمام جملا من غرر ونوادر وأشعار ونتف وفقر من قصائد قصار وشوارد وأبيات ، لنعطي قارئ الكتاب من كلّ نوع تذهب إليه النّفوس نصيبا إن شاء اللّه . 560 - [ تناسب الألفاظ مع الأغراض ] ولكلّ ضرب من الحديث ضرب من اللفظ ، ولكلّ نوع من المعاني نوع من الأسماء : فالسّخيف للسخيف ، والخفيف للخفيف ، والجزل للجزل ، والإفصاح في موضع الإفصاح ، والكناية في موضع الكناية ، والاسترسال في موضع الاسترسال . وإذا كان موضع الحديث على أنّه مضحك ومله ، وداخل في باب المزاح والطّيب ، فاستعملت فيه الإعراب ، انقلب عن جهته . وإن كان في لفظه سخف وأبدلت